الشيخ محمد حسين الحائري

344

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

أصالة البراءة حتى يصل النهي فدلت على أنه لا يصح الحكم بوجوب شئ أو حرمته شرعا لحكم العقل بحسنه أو قبحه وأخرى على الانشاء على معنى أن حكم كل ما لم يرد فيه نهي وإن أدرك العقل قبحه واعترض عليه بعض المعاصرين بأن المعنى الأول أيضا إنشاء لحكم ما لم يرد فيه نهي بالمنع من الحكم بالمنع الشرعي إذ ليس وظيفة الإمام عليه السلام بيان الموضوعات من عدم جواز إطلاق الحرام الشرعي عليه في الاصطلاح بل وظيفته بيان الحكم فيرجع المعنى إلى أن ذلك ليس بحرام شرعي ويلزمه أن يكون مباحا فيرجع إلى المعنى الثاني ويتحد الوجهان ولا سبيل إلى الفرق بأن المراد على الأول إفادة الإباحة الظاهرية نظرا إلى أصل البراءة وعلى الثاني إفادة الإباحة الواقعية لان جعل الحكم مغيا بغاية كما يدل عليه كلمة حتى تنافي الحمل على الإباحة الواقعية هذا محصل كلامه وفيه نظر لأن الظاهر أن مراد المستدل بقوله لا يحكم عليه بالمعنى الشرعي لا يقع عليه الحكم بالمنع وهذا إخبار قطعا لاحتماله في نفسه المطابقة وعدمها لا يقال فيلزم الكذب لوقوع الحكم بالمنع من المخالفين في المسألة لأنا نقول المراد عدم وقوع الحكم الصحيح كما يدل عليه قوله ثانيا لا يصح الحكم ووقوع حكم الصحيح منهم ممنوع كيف لا والكلام في نفي صحته فلا يلزم الكذب والأظهر أن ينزل كلامه على أن قوله عليه السلام كل شئ مطلق يحتمل أن يكون إخبارا عن الحكم الثابت للأشياء في الشرع قبل ورود النهي من الاطلاق ولو ظاهرا أو أن يكون إنشاء منه عليه السلام لذلك وهذان الوجهان يجريان أيضا في مثل قولهم يجب كذا أو كتب عليكم كذا أو هذا واجب أو فريضة ثم ما ادعاه من أن التحديد بالغاية ينافي كون الحكم واقعيا بظاهره ظاهر الفساد لان كثيرا من الأحكام الواقعية مغياة بغايات بل الوجه في دفعه أن يقال لا يعقل من الحكم الواقعي إلا ما استند عدم تعلقه بالمكلف إلى عدم علمه به ولا من الحكم الظاهري إلا ما استند تعلقه به إلى علمه به أو بعدم علمه بالحكم الواقعي فإذا كانت الإباحة منوطة بعدم العلم بخلافها كما هو نص الرواية كانت حكما ظاهريا وكان خلافها حكما واقعيا لا محالة ولا يرد النقض بالصلاة في الثوب المستصحب الطهارة لان المراد عدم العلم من حيث الحكم لا من حيث الموضوع وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في محله الثالث أن الثواب والعقاب لا يترتبان إلا على الطاعة والمعصية وهما إنما يتحققان بموافقة الأوامر والنواهي اللفظية أو مخالفتهما فحيث لا أمر ولا نهي لفظا لا إطاعة ولا معصية فلا ثواب ولا عقاب فلا وجوب ولا حرمة لا يقال لا نسلم انحصار صدق الإطاعة والمعصية في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته بل يعم اللفظي وغيره لأنا نقول القدر الثابت من الأدلة وجوب اتباع القطع أو الظن الحاصلين من قول المعصوم أو فعله أو تقريره دون غيرها والكلام في التعويل على هذه الطريقة كالكلام في التعويل على الرؤيا فكما لا دليل على جواز التعويل على الثاني فكذلك على الأول والجواب المنع من انحصار صدق الطاعة والعصيان في موافقة الخطاب اللفظي ومخالفته والعرف والعادة شاهدان بذلك ولو سلم فترتب الثواب والعقاب لا يناط بالخطاب اللفظي ألا ترى أن المولى إذا لم يأمر عبده بالمحافظة على أمواله أو لم ينهه عن إتلافها فأمكن اللص منها أو أتلفها أنه يعد مستحقا للعقاب لفعله ما يسخط المولى كما أنه إذا حافظ عليها أو تمانع من إتلافها طلبا لرضى مولاه كان مستحقا للمدح والثواب لفعله ما يرضى به المولى وإنكار ذلك مكابرة ظاهرة واستحقاقهما كاف في تحقق الواجب والحرام الشرعيين على ما علم من تعريفهما ولو سلم اختصاص صدق الطاعة والمعصية بموافقة الخطاب اللفظي ومخالفته وأنهما لا يتحققان في الفرضين المذكورين لكن لا ريب في استحقاقه الثواب في الأول لفعله ما يرضى المولى والعقوبة في الثاني لفعله ما يسخطه وإنكاره مكابرة بينه وحصوله في المقام كاف في تحقق الوجوب والتحريم الشرعيين إذ المعتبر فيهما على ما علم من تعريفهما إنما هو استحقاق العقوبة على الترك والفعل ثم حجية القطع ضرورية تشهد به الفطرة السليمة فلا معنى لمطالبة الدليل عليها ولو كان حجيته مستفادة بالنظر لدار أو تسلسل إذ لا يزيد دليلها على كونه مقطوعا بصحته وباستلزامه إياها فيكون حجية كل من القطعين على هذا التقدير نظرية تتوقف على الدليل فإن عاد إلى الأول لزم الدور وإلا تسلسل وأما تنظير ذلك بالرؤيا فإن كان بالرؤيا المقطوع بصحتها وصدقها فعدم حجيتها لعدم دليل عليها فاسدة كما عرفت وإن كان بالرؤيا المحتملة للصدق أو المظنونة الصدق كما هو الغالب فالتنظير باطل وإن أريد التقريب فلنا تنظير العقل الذي فينا بالالهام الذي يوجد في الأنبياء والأئمة فكما أن مدركاتهم بالالهام حجة في حقهم بالضرورة من غير حاجة إلى قيام دليل عليه كذلك مدركات العقل حجة في حقنا ولا حاجة إلى قيام دليل عليه الرابع أن أصحابنا والمعتزلة قالوا بأن التكليف فيما يستقل به العقل بمعنى الخطاب به في ظاهر الشريعة لطف وأن العقاب بدون اللطف قبيح ومقتضى ذلك عدم ترتب العقاب على ما لم يرد به خطاب في ظاهر الشريعة وإن استقل به العقل لعدم تحقق اللطف فيه والجواب المنع من قبح العقاب بدون اللطف مطلقا وإنما المسلم قبحه بدون اللطف اللازم في التكليف كالبيان فيما لا يستقل به العقل سلمنا لكن يكفي في حصول اللطف اعتضاد العقل بالعمومات الدالة على حجيته كالآيات المتقدمة بالنسبة إلى الموارد التي ساعدنا على دلالتها على حجيته فيها وإن أريد اعتضاده بحسب خصوصيات موارده فتوجه المنع عليه جلي لان عموم النقل يعتبر في تأسيس ما لا يستقل به العقل فاعتباره في تأكيد ما استقل به العقل أولى ولا يذهب عليك أن أهل الكلام تمسكوا بالمقدمة الأولى على وجوب بعث الأنبياء بضميمة القاعدة